أبي نعيم الأصبهاني

181

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

فأبصروا بنور القلوب عظمة اللّه جل جلاله ، فصارت أبدانهم دنيوية . وقلوبهم سماوية ، وأرواحهم حجبية ، وعقولهم نورانية ، تسرح بين صفوف الملائكة بالعيان ، وتشاهد تلك الأمور بالتحقيق والبيان ، فعبدوا اللّه بمبلغ استطاعتهم ، لا لجنة ولا لنار . قال : فصاح الشاب صيحة خر مغشيا عليه ، فحركناه فإذا هو قد فارق الدنيا . فانكب الشيخ يقبل بين عينيه ويبكى ويقول : هذا مصرع الخائفين ، وهذه دجة المجتهدين . وهذه منازل المتقين . * حدثنا عبد اللّه بن محمد قال سمعت عمر بن بحر الأسدي يقول سمعت أحمد ابن أبي الحوارى يقول : بينا أنا ذات يوم في بلاد الشام في قبة من قباب المقابر ليس عليها باب إلا كساء قد أسبلته ، فإذا أنا بامرأة تدق على باب الحائط فقلت : من هذا ؟ قالت : ضالة دلني على الطريق رحمك اللّه . قلت : رحمك اللّه عن . أي الطريق تسألين ؟ فبكت ثم قالت : يا أحمد على طريق النجاة . قلت : هيهات إن بيننا وبين طريق النجاة عقابا ، وتلك العقاب لا تقطع إلا بالسير الحثيث ، وتصحيح المعاملة ، وحذف العلائق الشاغلة ، من أمر الدنيا والآخرة قال : فبكت بكاء شديدا ثم قالت : يا أحمد سبحان من أمسك عليك جوارحك فلم تتقطع ، وحفظ عليك فؤادك فلم يتصدع . ثم خرت مغشيا عليها ، فقلت : لبعض النساء : انظروا أي شيء حال هذه الجارية ؟ قال أحمد : فقمن إليها ففتشنها فإذا وصيتها في جيبها كفنونى في أثوابي هذه ، فإن كان لي عند اللّه خير فهو أسعد لي ، وإن كان غير ذلك فبعدا لنفسي . قلت : ما هيه ؟ فحركوها فإذا هي ميتة . فقلت للخدام : لمن هذه الجارية ؟ قالوا : جارية قرشية مصابة ، وكان الذي معها يمنعها من الطعام ، وكانت تشكو إلينا وجعا بجوفها ، فكنا نصفها لمتطببى الشام والعراق ، وكانت تقول : خلوا بيني وبين الطبيب الراهب - تعنى أحمد - أشكو إليه بعض ما أجد من بلائي لعل أن يكون عنده شفائي . * حدثنا أبي ثنا أحمد بن عمر ثنا عبد اللّه بن محمد بن سفيان ثنا هارون بن عبد اللّه ثنا محمد بن يزيد بن حبيش قال قال وهيب بن الورد قال رجل : بينا أنا أسير في أرض الروم ذات يوم إذ سمعت هاتفا فوق رأس الجبل وهو